الواقدي ( رواية ابن أعثم الكوفي )

204

كتاب الردة ( مع نبذة من فتوح العراق وذكر المثنى بن حارثة الشيباني )

قال : ونظرت قبائل كندة إلى خيل عكرمة وقد أشرفت عليهم ، فصاحوا بالأشعث ، ما ترى هذه خيل عكرمة قد أشرفت ، ونحن تعبنا وخيلنا قد كلّت ، وعامتنا جرحى . قال : فشجعهم الأشعث وأمرهم بالصبر ونهاهم عن العجز والكسل ، واختلطت خيل عكرمة وخيل زياد ، فصاروا في موضع واحد ، واجتمعوا وحملوا على الأشعث وأصحابه ، فلم يزلّ واحد منهم عن موضعه ، لكنهم أشرعوا الرماح في صدور المسلمين ، ثم جالت الخيل بعضهم في بعض ، وتقدم رجل من فرسان الأشعث ، يقال له عرفجة بن عبد الله الذهلي ، فحمل على خيل المسلمين ، ولم يزل يقاتل حتى ضجّ المسلمون من طعانه ، قال : فرماه رجل من أهل مكة بسهم فوقع في فؤاده فقتله ، فصاح زياد بن لبيد : يا معشر المسلمين ، أبشروا فقد أخمد الله جمرة كندة بقتل عرفجة الذهلي . قال : وتقدم الأشعث بن قيس حاسر الرأس ، وطلب البراز ، فخرج إليه عكرمة ، فجالا ثم التقيا بطعنتين ولم يصنعا شيئا ، فرمى كل واحد برمحه من يده واعتمد على قائم سيفه ، ثم التقيا بضربتين ، بدره الأشعث بضربة قدّ بها بيضة عكرمة ، ثم إن رجلا يقال له النعمان بن الحارث ، حمل على الأشعث فطعنه طعنة منكرة ، حتى كاد الأشعث أن يسقط عن فرسه . قال : وجعل الأشعث يقاتل ، وكلما حمل بفرسه على الناحية التي فيها زياد ينحاز زياد عن ذلك الموقف إلى غيره . وهبت ريح وثار العجاج ، فلم يبصر الناس بعضهم بعضا وحسر الأشعث عن رأسه ، ونادى : الصبر الصبر يا معشر كندة ، فإن القوم قد صبروا لكم . قال : ولم يزل القوم على ذلك إلى وقت المساء ، ثم اجتمع المسلمون بأجمعهم في موضع واحد ، ورفعوا أصواتهم بالتكبير ، ثم حملوا على الأشعث وأصحابه ، كحملة رجل واحد ، فهزموهم حتى ألجئوهم إلى حصنهم الأعظم . قال : فدخل الأشعث وأصحابه إلى ذلك الحصن وأغلقوا عليهم الباب . وأقبل زياد بن لبيد ، وعكرمة بن أبي جهل ، والمهاجر بن أمية ، وجميع المسلمين ، [ 39 أ ] حتى نزلوا / على الحصن فأحدقوا به من كل ناحية ، واشتد الحصار على من في